القرطبي

255

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" استوى " بمعنى أقبل صحيح ، لان الاقبال هو القصد إلى خلق السماء ، والقصد هو الإرادة ، وذلك جائز في صفات الله تعالى . ولفظة " ثم " تتعلق بالخلق لا بالإرادة . وأما ما حكى عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي ، والكلبي ضعيف . وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان في قوله " ثم استوى إلى السماء " : قصد إليها ، أي بخلقه واختراعه ، فهذا قول . وقيل : على دون تكييف ولا تحديد ، واختاره الطبري . ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : استوى بمعنى أنه ارتفع . قال البيهقي : ومراده من ذلك - والله أعلم - ارتفاع أمره ، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء . وقيل : إن المستوى الدخان . وقال ابن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام . وقيل : المعنى استولى ، كما قال الشاعر : ( 1 ) قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق قال ابن عطية : وهذا إنما يجئ في قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى " [ طه : 5 ] . قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة " الأعراف ( 2 ) " إن شاء الله تعالى . والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة . السادسة - يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء ، وكذلك في " حم السجدة ( 3 ) " . وقال في النازعات : " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ( 4 ) " [ النازعات : 27 ] فوصف خلقها ، ثم قال : " والأرض بعد ذلك دحاها " [ النازعات : 30 ] . فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض ، وقال تعالى " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ( 5 ) " [ الانعام : 1 ] وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا ، حكاه عنه الطبري . وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع ، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا ( 6 ) الأرض بعد ذلك ، وكانت إذ خلقها غير مدحوة .

--> ( 1 ) هو الأخطل كما في شرح القاموس . ( 2 ) راجع ج 7 ص 219 . ( 3 ) راجع ج 15 ص 343 . ( 4 ) راجع ج 19 ص 201 . ( 5 ) راجع ج 6 ص 384 . ( 6 ) دحا الشئ : بسطه .